محمد علي سلامة
91
منهج الفرقان في علوم القرآن
( 3 ) القرآن الكريم قد تحدى العرب في بعض السور المدنية ، اقرأ قوله تعالى في سورة البقرة المدنية وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إلى قوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ كما تحداهم في السور المكية بقوله في سورة هود المكية ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) وفي سورة الإسراء المكية بقوله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً فإنك ترى التحدي الواقع في السورة المدنية جاء بسورة وهو يصدق بأقصر سورة مثل إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فلو كان متأثرا بهم في القرآن لكانوا أقدر على معارضته والإتيان بمثل ما تحداهم به وأزيد وبهذا كله ظهر أن هذه الشبهة هباء وأن القول بها هذر وهراء وقد بينا حكمة قصر القسم المكي فيما تقدم . ( ثانيا ) قالوا إن القسم المكي خال من التشريعات التفصيلية والأحكام العملية وأما القسم المدني فقد كثرت فيه هذه التشريعات وذلك لأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة واختلط بأهل الكتاب وعرف تشريعاتهم نهج نهجهم ونحا نحوهم وهذا دليل على أنه قد تأثر بهم وأخذ من علومهم . وللرد على هذه الشبهة الواهية نقول : 1 - إن القرآن نزل بمكة على قوم لا يقرون بأصول الإيمان الثلاثة وهي الإلهيات والنبوات والبعث وما يتبعه من جزاء وكانوا مع ذلك لا يحترمون نفسا ولا مالا ولا عرضا فكان من الطبيعي ومن البدهى أن يدعوهم أولا إلى أصول الايمان وإلى أصول الاخلاق التي أجمعت العقول السليمة على وجوب التحلي بها والتي لا حياة للإنسانية بدونها وكان لزاما أن يحاجهم في ذلك ويقيم عليهم الأدلة والبراهين فإذا تقررت هذه الأصول في النفوس واستجاب لها من شرح اللّه صدره بالإسلام أخذ يدعوهم إلى نظم المعاملة الحقة بينهم وبين خالقهم الذي أقروا به ، وبينهم وبين بعضهم بعد انصياعهم لحرمة النفوس والعقول والأموال والأعراض وهذه هي التشريعات التفصيلية وهي فروع لتلك الأصول وما لم يقروا بالأصول لا يصح أن يخاطبوا بالفروع فكان نهج القرآن في المكي والمدني هو الموافق لبداءة العقول لا لأنه تأثر بأهل الكتاب كما يزعم المضلل الجهول .